الاثنين، 19 سبتمبر، 2016

الجارديان (الصحيفة الأكثر شعبية في بريطانيا):هكذا أصبحت شعبية أردوغان أقوى من أي وقت مضى

من طرف خبر عاجل  
التسميات:
2:44:00 م

السلام عليكم

لم تكن ليلة الـ15 من يوليو (تموز) الماضي عادية في تركيا. فقد شهدت محاولة انقلاب على رجل تركيا القوي، الرئيس رجب طيب أردوغان. وفي سياق ذلك، ترصد صحيفة الجارديان البريطانية كيف أصبحت شعبية أردوغان طاغية، بعد نجاحه في إفشال الانقلاب ضده. وتنقل شهادات مواطنين شاركوا في التصدي للمتمردين وكيف أنهم باتوا يمجدون الرجل أكثر من أي وقت مضى.
المختار، هو أصغر مسؤول في البناء السياسي التركي. لكن مختار منطقة جنجيلكوي الراقية في إسطنبول ليس ككل المخاتير. قاد الرجل حملة الدفاع عن المنطقة ضد المتمردين وتعرض للإصابة، وبات يلقب بـ«المحارب المقدس».
التقاه كريستوفر دي باليج، مراسل الجارديان في إسطنبول، فحكى له المختار ما واجهه ليلة الانقلاب. يتذكر المختار بأسى ابن أخيه الذي قُتل على أيدي الانقلابيين. لكنه يشعر بالفخر بالرئيس الأمين وعلم البلاد المقدس، ويحمد الله على فشل الانقلاب.
«عندما عدت إلى بيتي تلك الليلة، أخبرني جيراني أن مدرعات أغلقت جسر البسفور». يتذكر المختار. استمع هو وجيرانه لبيان الجيش الذي أذاعته المذيعة تيجان كاراش، وأعلن فيه سيطرته على البلاد. ثم فوجئوا بأحد الضباط يطلق النار في الهواء في منطقتهم، طالبًا من الناس العودة إلى منازلهم، لكن المختار نهره، فانصرف.
شعر أهالي المنطقة بأن الضابط سيعود مع قوة للتعزيز. فنظموا حملة للدفاع، وذلك بالحشد ووضع المتاريس، وحمل بعضهم السلاح، وانضمت إليهم قوة من قسم الشرطة. اجتاح الجيش المنطقة بعد منتصف الليل، وأصيب المختار حينها.
«ليأتِ ربكم أردوغان ليساعدكم!» هكذا صاح أحد الضباط في بعض أهالي المنطقة الذين احتجزهم رهائنَ. استقبل مستشفى قريب حوالي 60 قتيلًا وجريحًا ليلتها. وتمكن الانقلابيون فقط من قسم الشرطة.
لا يشك أحد، حتى الانقلابيون أنفسهم، في الدور الحاسم الذي لعبه أردوغان لإفشال الانقلاب؛ إذ دعا الشعب إلى النزول إلى الشوارع دفاعًا عن الديمقراطية.
قاوم الآلاف من الأتراك الانقلابيين في جنيجلكوي. وتكرر المشهد في عموم تركيا. وعندما حطت طائرة أردوغان في مطار إسطنبول في الثالثة فجرًا، استقبله الآلاف من أنصاره. ووقعت اشتباكات دامية بين الشعب والانقلابيين، انتهت بمقتل 240 مدنيًا، 18 منهم من جنجيلكوي، ولكن انتصرت الديمقراطية.
لكن ما تلا ذلك من أحداث لم يكن له علاقة بالديمقراطية، مثلما يقول الكاتب. فخلال أقل من شهرين، اعتُقل عشرات الآلاف من مختلف مؤسسات الدولة، وفُصل آخرون من وظائفهم، ممن جرى الاشتباه بأنهم من أنصار فتح الله جولن، المتهم بتدبير المحاولة الانقلابية. ولم تسلم وسائل الإعلام من تلك الحملة. وذكرت منظمة العفو الدولية أن عمليات تعذيب قد وقعت تحت غطاء حالة الطوارئ التي أعلنها أردوغان في الـ20 من يوليو (تموز) الماضي.
وقد أكد ما قام به أردوغان بعد فشل الانقلاب مزاعم الغرب من أنه يستغل شعبيته لقمع معارضيه. وكان رد الفعل الأمريكي والأوروبي دليلًا على ذلك، إذ إنهما طالبا أردوغان باحترام الديمقراطية مباشرة بعد الانقلاب. وقد ترك ذلك انطباعًا لدى الأتراك بأن الغرب لا تعنيه الديمقراطية التركية وأنه يدافع عن الانقلابيين.
يعتقد أردوغان أن الغرب كان يتمنى نجاح الانقلاب. وإن صح ذلك، فالسبب هو أنه لجأ إلى نوع من أنظمة الحكم لا يروق للغرب، على الرغم من أنه يعكس رغبة الأغلبية.
إن طريقة حكم أردوغان تشبه طريقة حكم بوتين في روسيا ونتنياهو في إسرائيل، ونيكولا ساركوزي، الذي يستعد لخوض انتخابات الرئاسة مجددًا. فكل تلك الأنظمة قائمة على دغم الأغلبية القومية والقبضة الأمنية متفاوتة الدرجات.
وهكذا، يقول التقرير، يسير أردوغان ضمن الركب العالمي الذي حوَّل الديمقراطية إلى نسخ مشوهة. بل إن حتى أمريكا وأوروبا لا تخرجان عن هذا المسار. وما أثار غضب تركيا أكثر من موقف الغرب، هو أن الأخير لم يعلق على الإجراءات التي اتخذتها فرنسا في أعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في نوفمبر الماضي. وقد بات الخوف من الأجانب أداة انتخابية شائعة.
لا عجب أن يعتقد أردوغان أن الغرب منافق في دفاعه عن الديمقراطية، فقد هلل الغرب للانقلاب العسكري الذي أطاح بمحمد مرسي، أول رئيس منتخب في مصر.
ومع ذلك، لا يمكن وصف أردوغان بالديكتاتور. فهو لم يأتِ بانتخابات مزورة أو يقمع الأقليات. بل إن شعبيته قد تضاعفت حتى بعد تقلده منصب الرئيس الشرفي، وفوز حزبه بعدة انتخابات.
لا يخفى على أحد التحول الذي شهدته تركيا خلال سنوات حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية. حيث أدخل أردوغان إصلاحات سياسية واقتصادية كبرى على نظام الحكم في البلاد، فباتت مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي. حدث هذا على الرغم من أن الإسلاميين كانوا أغلبية تتعرض للقمع في الثمانينيات والتسعينيات على يد العلمانيين بقيادة الجيش.
كانت البلاد في تلك الفترة تقف بحزم للإسلاميين. فقد نُقلت العاصمة من إسطنبول، عاصمة الخلافة العثمانية، إلى أنقرة لتكون العاصمة العلمانية. ولم يكن هناك سوى مسجد وحيد كبير. يقول الكاتب إنه صُدم برأي النخبة العسكرية الحاكمة وقتئذٍ، إذ كانوا يصفون الإسلاميين أو من يرسلون أطفالهم إلى مدارس دينية «بالرجعيين». وكانوا يسخرون من النساء اللاتي كن يرتدين الزي الإسلامي.
ومُنع ذوو اللحى والمحجبات من دخول المرافق العامة. وقد ظل هذا الحظر قائمًا حتى بعد انتخاب أردوغان رئيسًا للوزراء في 2003، عندما رفض الرئيس التركي آنذاك أحمد نجدت سيزر عودة زوجة أردوغان المحجبة إلى الاحتفال بيوم الجمهورية.
عانت تركيا في حقبة التسعينيات من عدم الاستقرار على يد العلمانيين. فقد ارتفع مستوى التضخم إلى حاجز 70%، وانخرطت البلاد في صراع مسلح دامٍ مع حزب العمال الكردستاني. وقد بدأ الغرب يشعر بعدم الرضا عن حال حليفتهم الكبرى في العالم الإسلامي. ثم صعد أردوغان، ذو الخلفية الإسلامية؛ إلى سدة الحكم، بعد أن قضى تسع سنوات عمدةً لإسطنبول، تمكن خلالها من إصلاح الكثير من المرافق الخدمية للمدينة.
يقول الكاتب إنه حين التقى أردوغان في عام 1997، حكى له الأخير عن إنجازاته الكبيرة في مدينة إسطنبول، التي أقر بها حتى أعداؤه من العلمانيين. رغم أن منافسيه قد روجوا لفكرة أنه سيعمل على هدم العلمانية ومحاولة فرض الشريعة الإسلامية ومنع تناول الكحوليات، وهو ما لم يحدث. وشكك العلمانيون في نواياه حين قال «الديمقراطية قطار تستقله إلى حيث تشاء ثم تترجل منه».
دخل أردوغان السجن لمدة أربع سنوات بسبب التحريض على الكراهية الدينية. وقد حاول القنصل الأمريكي في إسطنبول آنذاك التدخل للعفو عنه. وبعد خروجه بأربع سنوات أخرى وصل إلى سدة الحكم. وقد أشاد به الجميع، بما في ذلك الدول الغربية، بوصفه يمثل الإسلام المعتدل في عصر ما بعد هجمات سبتمبر. لكن خصومه السياسيين اتهموه بأنه يخفي معتقداته الحقيقية حتى يتمكن من محو الأفكار الكمالية والسيطرة على مؤسستي الجيش والقضاء.
وما أن وصل إلى السلطة، يقول الكاتب، حتى طبق أردوغان إصلاحات جذرية ديمقراطية. فقد قضى على الدولة البوليسية وبدأ عملية سلام شاملة مع الأكراد. وقد أدى الاستقرار السياسي إلى خفض مستوى التضخم، وزيادة حجم الاستثمارات. وبحلول عام 2013، نما الاقتصاد بمعدل 5% في السنة. وقد أجرى أردوغان أيضًا إصلاحات في مجال الإسكان والصحة والتعليم والمواصلات. وباتت تركيا في عهده حليفًا إستراتيجيًا للغرب، ودخل في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي للظفر بعضوية الاتحاد.
ويرى الكاتب أن تحالفه الإستراتيجي مع الغرب كان تحركًا حكيمًا، إذ إنه وفر حماية له في مواجهة العلمانيين. ففي عام 2007، هددت رئاسة الأركان بالانقلاب عليه إذا ما مضى في خططه في الدفع بعبد الله جول إلى منصب الرئاسة. لكن الغرب سارع إلى دعمه في مواجهة تلك التهديدات. وفاز غول بالانتخابات، ودخل هو وزوجته المحجبة قصر الرئاسة.
أدخل أردوغان تعديلات شاملة على مؤسسة الجيش، إذ أحيل العشرات من الضباط العلمانيين للتقاعد وأدخِل الإسلاميون إلى الجيش لأول مرة. وكان فتح الله جولن حليفًا لأردوغان حينها، إلى أن وقع الشقاق بينهما في عام 2013.
وقد اتخذ أردوغان خطوات عدة للتودد إلى الأكراد، مثل رفع الحظر عن تعليم اللغة الكردية في المدارس، وإحباط خطط للجيش لضرب حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. كما ضمن أردوغان حرية كافة الفئات، ففي منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، شهدت إسطنبول أكبر تظاهرة للشواذ في العالم الإسلامي، رغم حظره هذا العام. لكن كل تلك التحالفات والإنجازات بدأت تنهار الآن.
اشتعلت الحرب الأهلية في سوريا، فانقلب أردوغان على حليفه بشار الأسد. كان أردوغان يحلم بكسب السنّة حلفاء له. لكن الرياح جرت على عكس ما يشتهي، فقد تدفق ملايين من اللاجئين السوريين على تركيا، وأقام أكراد سوريا مناطق حكم مستقلة لهم في شمالي البلاد. وامتدت عمليات تنظيم الدولة لتضرب تركيا، ردًا على مساعدة تركيا للتحالف الدولي.
وفي صيف 2013، شهدت تركيا احتجاجات عنيفة بسبب عزم الحكومة على إزالة أشجار من ميدان تقسيم، وردت الحكومة بقوة مفرطة على تلك الاحتجاجات. وفي الصيف الماضي، اشتعلت جولة جديدة من الصراع بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني حصدت أرواح الآلاف.
وتبقى مشكلة انضمام تركيا المتعثر إلى الاتحاد الأوروبي بلا حل. فكل من النمسا وفرنسا وألمانيا ترى أن تركيا دولة ضخمة وغالبية شعبها مسلمون. وقد يضر ذلك بالتعاون القائم بين الجانبين حول مشكلة اللاجئين.
وشن أردوغان حملة شرسة على معارضيه ومنتقديه من الصحفيين. وتعامل أردوغان مع الكماليين بنفس الطريقة التي كان يتعامل بها الكماليون مع الإسلاميين من قبل. اعتبر العلمانيون الإسلاميين رجعيين، بينما اعتبر الأخيرون الأولين عائقًا للتقدم ومفرطين في القيم.
كما أنه لا يعرف حجم الثروة التي جناها أردوغان منذ أن وصل إلى الحكم. ففي 2013، كان من بين الأشياء التي فجرت غضب المحتجين هو بناؤه قصرًا لنفسه في أنقرة بتكلفة بلغت 600 مليون دولار. سمح أردوغان لنفسه بقمع المعارضين وانتهاك القانون بزعم أنه منتخب. وعليه فهو يعتبر فشل الانقلاب أكبر انتصار انتخابي له.
أظهر استطلاع للرأي أجري بعد الانقلاب أن 68% من الأتراك يوافقون على طريقة تعامله مع الأزمة، وهذا يعني أن شعبيته قد طغت.
يُعرف عن أردوغان حفاظه على القيم الإسلامية منذ صغره. ويملك القدرة على الخطابة في أنصاره، وكان أقوى تلك الخطابات، حسب رأي الكاتب، هو الخطاب الذي ألقاه بعد فشل الانقلاب بتسعة أيام. في ذلك الخطاب، امتدح «الشهداء» الذين سقطوا على الانقلابيين في حضور ذويهم. بل وقد حضر بعض أبطال المقاومة تلك الليلة. وقد امتزج الخطاب بنبرة تنديد بالانقلاب ومرتكبيه ونبرة تقدير لمن ماتوا دفاعًا عن الديمقراطية في البلاد.
كان حدثًا فريدًا أن يلقي سياسي خطابًا في أنقرة، عاصمة أتاتورك، فيتحدث فيه عن الكفر والإيمان. لكن أردوغان ليس من أنصار فكرة الخلافة ومحو الحدود، بل إنه فخور بقوميته التركية. وكل قومية لها أعداء، وقد صرح أردوغان بأن الانقلاب كشف عن أعداء كثر لبلاده. ففي تعليق له على صمت الغرب عن إدانة الانقلاب حتى انتهى قال أردوغان «هل نحن متفاجئون؟ كلا».
أثر الخطاب في الحاضرين حتى أبكاهم. ويقول الكاتب إن الأتراك العاديين في شوارع إسطنبول كانوا يقتبسون مفردات أردوغان الدينية حين التقاهم في اليوم التالي. أصبح أردوغان قائدًا ملهمًا في نظرهم.
يبدو أن العالم يشهد قيام الحكام المنتخبين المستبدين بإعادة تعريف الديمقراطية وفق رؤيتهم الخاصة، التي تقوم على تجاهل وجهات نظر الأقلية، والحفاظ على دعم الأغلبية.
منذ أن تولى أردوغان منصب الرئاسة، وهو يسعى جاهدًا إلى توسيع صلاحياته المقيدة، لكنه لم يستطع تمرير تعديلات على الدستور بسبب معارضة غالبية نواب البرلمان التركي. كما أن نصف تعداد السكان تقريبًا، بما في ذلك العلويون والأكراد؛ يعارضونه.
وإذا ما حاول أردوغان شن حملة ضد من لا يؤمنون بأفكاره، فعلى الأرجح لن يحظى بدعم غالبية أنصاره، إذ بيَّن استطلاع آخر للرأي أن غالبيتهم تدعم حظر الكحوليات واستخدام أي وسيلة لصد الإرهاب، لكنهم لا يتنازلون عن حرية التعبير والحريات الشخصية.
يرى الكاتب أن أردوغان شخص براجماتي يجمع بين كل المتناقضات، فهو إسلامي ولكن يتوق لعضوية الاتحاد الأوروبي، وينادي بالتعاون الدولي لكنه قومي متعصب، ويشن الحرب ويدعو إلى السلام. ويبدو أنه يرى في العلمانية وسيلة لوأد الفتن الطائفية، وقد تجلى ذلك في دعوته لمحمد مرسي ببناء دولة علمانية في مصر.
وحتى في أوج حملته المحمومة على مؤسسات الدولة، أسقط قضايا كان قد أقامها ضد صحافيين هاجموه، وتصالح مع حزب الشعب الجمهوري العلماني، إذ شارك رئيس الحزب إلى جانب أردوغان في تظاهرة حاشدة للتنديد بالانقلاب.
تحاول تركيا الآن الخروج من المستنقع السوري، وما عادت تعارض بشدة لعب الأسد دورًا في المرحلة الانتقالية. وشن الجيش التركي عملية درع الفرات في شمال سوريا ضد تنظيم الدولة، ومنع الأكراد من بناء دولتهم. كما أعرب حزب العمال الكردستاني عن استعداده للتفاوض لضمان مستقبل أفضل لتركيا.
لا يعرف كيف سيجري ذلك. وقد بات جليًا الآن أنه ليس هناك نوع واحد للديمقراطية تنتهجه كافة الدول؛ ففي الغرب يجري التركيز على وجهة نظر الناضجين فقط من داعمي الديمقراطية للحفاظ على حقوق الأقليات، ولكن يبدو الآن أن ديمقراطية الأغلبية أصبحت السمة السائدة عالميًا.

رسالة أحدث
التعليقات
0 التعليقات

0 commentaires:

Propellerads
back to top