الأربعاء، 7 سبتمبر، 2016

بعد الدعم الأمريكي الغير مشروط لايران ... هل تستبدل السعودية أمريكا بالصين ؟

من طرف خبر عاجل  
التسميات:
1:26:00 م

السلام عليكم

عندما وطئت قدما الشاب السعودي، قمحي البشرة ذي الـ 30 عامًا، أرض واشنطن، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يعامله معاملةً دبلوماسيةً نادرةً، لا ينالها إلا عددٌ قليلٌ من الرؤساء. يوم الجمعة 17 يونيو (حزيران) لعامنا الحالي 2016، بدأ باستقبال أوباما لرجل السعودية القوي، والمحرك العام لسياسات المملكة حاليًا، محمد بن سلمان آل سعود، ولي ولي العهد ووزير الدفاع، في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، وهو شرف بروتوكولي لا يطبق إلا مع رؤساء الدول، وسبقه إفطار مشترك مع جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، وبدا وكأن الولايات المتحدة جادة في معاملة مبعوث السعودية الأول بحفاوة بالغة، وجادة في نيتها لإصلاح العلاقة المتضررة والمتوترة بينهما، بعد الاتفاق النووي الإيراني، ونظرة الرياض لواشنطن من حينها على أنها تخلت عنها، لتترك الأولى في مواجهة طهران مباشرةً.
انتظر الأمير محمد بن سلمان شهرين ونصف تقريبًا، قبل أن يوضح لواشنطن، توضيحًا قاطعًا وحادًا، أن شيئًا لم يكن، وبدأ توضيحه بمؤتمر صحافي، قبل بدء قمة العشرين «G20» ببضعة أيام، أشاد فيه بالعلاقات السعودية الصينية، والرؤى المشتركة و«نظامي الحكم المتشابهين»، على حد تعبيره، لكن كل ذلك مثـّل تصريحات تقليدية، حتى أتى في نهاية المؤتمر ليتجاوز ما تعتبره واشنطن «خطًّا أحمر شديد الحساسية»، قائلًا: «أعتقد أن وجود الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي يخلق توترًا لا شك فيه، ووجودها ضد المصالح السعودية الصينية المشتركة».
أتى التصريح ضد مسار أمريكي ذي اتجاه واحد لا يتغير، مسار لا تتفاوض واشنطن بشأنه، ولا تضعه على طاولة أي اجتماعات، ووضحه آش كارتر، وزير الدفاع الأمريكي، في الثلاثاء 6 أكتوبر (تشرين الأول) للعام الماضي 2015، في جلسة مباحثات دفاعية أسترالية مشتركة ببوسطن، عندما قال: «أؤكد الآتي: الولايات المتحدة سوف تُحلّق وتبحر، وتدير عملياتها في أي مكانٍ في العالم يسمح به القانون الدولي، كما نفعل في جميع أنحاء الأرض، ولن يكون بحر الصين الجنوبي استثناءً من ذلك».
لم يرسل ابن سلمان رسالته بمفرده، وإنما شاركته بكين أيضًا، عندما أوضحت للجميع مدى أهمية زيارة وزير الدفاع السعودي لها، زيارة أرادها الأمير مبكرة، قبيل قمة العشرين ببضعة أيام، وكما كتب وانج جين، باحث العلوم السياسية الصيني بجامعة حيفا، فإن زيارة سلمان كانت «حدثًا اجتذب اهتمامًا كبيرًا».
اتضح اهتمام الصين بأحد لاعبي المنطقة الرئيسيين، ورسائلها للولايات المتحدة أيضًا، في استقبال الرئيس الصيني، «شي جينبينغ»، لابن سلمان مباشرة في قصر ضيافة «دياويوتاي» التاريخي، وتوقيع 15 اتفاقية في أثناء زيارة الأمير السعودي، في مجالات النفط والطاقة والإسكان والتعمير، وأيضًا تلقت شركة هواوي، عملاق التكنولوجيا الصيني، ذات الـ60 مليار دولار قيمة سوقية، رخصتها الأولى للاستثمار في المملكة.
في البدء.. لم تكن صداقة
لم تكن العلاقات السعودية الصينية بنفس زخمها الحالي، فحتى عام 1989 لم تعترف المملكة العربية السعودية بجمهورية الصين الشعبية «PRC»، وكانت الدولة العربية الوحيدة في هذا الصدد، وفي عدم إقامتها لأي علاقات دبلوماسية مع العملاق الآسيوي الأول، فضلًا عن علاقة الرياض القوية مع تايوان، إلا أن كل ذلك تغير في نفس العام أيضًا.
بعد أحداث ميدان «تيانانمن» في نفس العام، بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) 1989، والتي قُتل فيها عدة مئات من الصينيين، على يد القوات العسكرية الصينية، بدا بديهيًّا أن تزداد القطيعة أكثر، إلا أن العكس تمامًا ما حدث، وتم تطوير المستوى الدبلوماسي، مع عدم نقد المملكة لأي تحرك للسلطات الصينية، بشأن القمع بالغ العنف، بل وبعد أحداث تيانانمن بشهرين فقط، وفي أغسطس (آب) من نفس العام، قدمت وزارة الخارجية السعودية أوراق مرشحيها لمنصب السفير في بكين، ثم مرت عدة شهور أخرى، حتى جاء يوليو (تموز) من العام التالي مباشرة، 1990، ليزور الأمير «بندر بن سلطان»، السفير السعودي في الولايات المتحدة حينها، بكين وبحوزته ملف كامل، وموافقة ملكية على إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة، وفي نفس الوقت أنهت الرياض 40 عامًا من العلاقات الدبلوماسية مع تايوان.
الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الصيني هو جينتاو.. مصدر الصورة: «www.gettyimages.com»
كانت العلاقات السعودية الصينية نفطية في معظمها، بينما لم تكن هناك زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى، لتسعة أعوام أخرى، حتى جاء عام 1999 حاملًا أول زيارة رسمية بين الجانبين، قام بها الرئيس الصيني جيانغ تسه مين للرياض، ثم انتظر الجانبان سبعة أعوام أخرى، حتى قام الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، في عام 2006، بأول زيارة لعاهل سعودي لبكين.

ما تم في زيارة جيانغ في التسعينيات كان مفتاح بوابة ما نطل عليه الآن، اتفاقية مبدئية بفتح الأسواق الصينية أمام النفط السعودي، مقابل السماح لشركات الطاقة الصينية بالتنقيب في المملكة، إلا أن مردود الاتفاقية كان ضعيفًا، فلم تستطع الصين تكرير النفط السعودي في منشآتها، ودارت عجلة التصدير ببطء شديد.
حمل عام 2004 تطورًا مهمًّا، فبعد زيادة معدل التصدير السعودي، حان الوقت لإيفاء الرياض بجانبها الخاص من الاتفاقية، فحصل عملاق النفط الصيني «سينوبك» على رخصة الاستثمار في المملكة، وقام بأولى عمليات التنقيب الصينية في منطقة الربع الخالي، في جزئها السعودي الجنوبي، ثم في العام التالي مباشرة أقيمت أولى المحادثات الرسمية بين بكين، ومنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».
جاءت زيارة الملك عبد الله، في يناير (كانون الثاني) عام 2006، لتضع حجر أساسٍ لنقلةٍ جديدةٍ نوعيةٍ للعلاقات، فشهد البلدان توقيع خمسة اتفاقات كبرى، كلها في مجال الطاقة وتحديدًا النفط، زيارة أثمرت ردًّا دبلوماسيًّا مماثلًا، وزيارة أولى للرئيس الصيني هو جينتاو، في أبريل (نيسان) من نفس العام، ليصبح المسؤول العالمي الثاني في التاريخ المسموح له بتوجيه خطابٍ لمجلس الشورى السعودي.
النفط يرسم الطريق
يمكن تحديد مفتاح العلاقات السعودية الصينية الرئيس، حتى عامنا الحالي، بأنه النفط، فالصين هي أكبر مستورد عالمي للنفط، والمملكة هي ثاني أكبر مصدر عالمي للنفط، وكانت حتى وقت قريب في المركز الأول عالميًّا، قبل أن تحتله الولايات المتحدة، وأرقام الرياض وبكين في هذا الصدد خير شاهدٍ على متانة الخيط الاقتصادي بينهما.
تسد السعودية ما نسبته 20% من احتياجات الصين النفطية السنوية، وبعد رحلة منافسةٍ مع موسكو، وتقلب المراكز بينهما كمصدر النفط الأول لبكين، انتزعت الرياض اللقب في أول يوليو (تموز) من العام الحالي 2016، أو بالأحرى استعادته مرة أخرى، فصدرت الرياض لبكين حوالي 34 مليون برميل، في شهر يونيو «حزيران» الماضي، مقابل تراجع روسي كبير بما نسبته حوالي 22%.
المنافسة السعودية– الروسية لتصدير النفط إلى الصين، السعودية تربح في العام الحالي.. مصدر الصورة: (بلومبيرغ)
تصدر السعودية نفطًا للصين تبلغ قيمته حوالي 20 مليار دولار سنويًّا، وتمثل الصادرات السعودية قرابة الـ3% من إجمالي حجم قطاع الاستيراد الصيني بالكامل، إلا أن كل ذلك جزءٌ من تبادلٍ تجاريٍّ عملاقٍ، تعدى الـ70 مليار دولار، بحلول عام 2013، لتتجاوز بكين واشنطن كشريك السعودية التجاري الأول في العالم.

لا يقتصر التبادل التجاري على السلع التقليدية فقط، فالصين لا بد وأن تستفيد من علاقتها بمستورد الأسلحة الأول عالميًّا، فالمملكة المستوردة لسلاح قيمته 9.5 مليار دولار، في العام الماضي، أعطت لشركات الأسلحة الصينية نصيبها، واستوردت منهم بمبلغٍ يقترب من المليار دولار، مبلغ يبدو سهلًا على الرياض، التي تنفق دولارًا من كل سبعة دولارات لديها على شراء الأسلحة.
لن تذهب واشنطن إلى الباحة الخلفية
لا يمكننا أن نؤول المشهد الحالي على أنه انهيارٌ في العلاقات السعودية الأمريكية، فهذا أمرٌ مستبعدٌ وخياليٌّ، تبعًا لحجم الروابط السياسية والاقتصادية والعسكرية بينهما، فضلًا عن أن تصاعد الدور الصيني لا يعني احتلال مساحة نفوذ واشنطن، شديدة الضخامة والاتساع، في أروقة الحكم السعودية، إلا أننا يمكننا اعتباره مشهدًا يعكس الغضب السعودي، مما تراه المملكة «تهاونًا» من واشنطن، سواء كان ذلك في رفع يدها التدريجي عن منطقة الشرق الأوسط، أو تحديدًا فيما تنظر إليه الرياض على أنه غض بصر أمريكي عن إيران، وألعابها في المنطقة، على أحسن الصور، أو تنظر إليه، على أسوأ الصور، على أنه تقارب تاريخي بين واشنطن وطهران، لإحكام السيطرة على ملفات إقليمية حساسة للولايات المتحدة، وعلى رأسها ملفي العراق وسوريا.
لذلك، وعلى أرجح الأمور، ستظل السعودية تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها شريكها الأول السياسي والعسكري، بينما ستظل الشراكة الصينية، حتى وقت بعيد، في الإطار الاقتصادي المشترك فقط، فلا يمكن للصين أن تزود السعودية بأسلحة متطورة باستمرار وبتقنية عالية، ولا يمكنها أن توفر التدريب الأمني والاستخباراتي والسياسي لكوادر النخبة الملكية، ولا يمكنها أن توفر التعليم مرتفع المستوى، أو القوة الناعمة، كلها أمور أصبحت خصوصيات للولايات المتحدة، ومن الصعب أن تجتمع كلها في دولة أخرى، دولة توفر للمملكة ما توفره واشنطن.
بجانب ذلك، فإن بكين لا يبدو عليها تلك الرغبة في ممارسة دور أكبر مهيمن في الشرق الأوسط، فهي تبقى على مسافات متساوية من الجميع، وبدا ذلك في زيارة الرئيس الصيني مطلع العام الحالي لكل من السعودية، ومصر، وإيران، ضمن جولته الأولى في الشرق الأوسط، منذ توليه الرئاسة في عام 2013، فخرج من الرياض مبتسمًا بجوار الملك سلمان، ليبتسم مرة أخرى بجانب روحاني في قلب طهران، عدو الرياض اللدود والأول، فيحافظ شي جينبينغ على اتزان العصا، بينما تعلم المملكة الحقيقة اليقينية، التي لا يبدو أنها ستتغير حتى وقت قريب: «لا بديل للولايات المتحدة في الأفق، ولا غنى عنها حتى إشعار آخر».

رسالة أحدث
التعليقات
0 التعليقات

0 commentaires:

Propellerads
تدعمه Blogger.
back to top