الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2016

"الدول العربية" طريق بوتين لإحياء إمبراطوريته البائدة

من طرف خبر عاجل  
التسميات:
8:00:00 م

السلام عليكم
إن الأمر لا يقتصر على سوريا فقط، فقد كانت روسيا لفترة طويلة تبني قوة لها ومصالح وسلطة تستهدف جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتتحدّى الولايات المتحدة كقوة عالمية عظمى.
ففي تقريره التاريخي، يعرّف السير لورانس فريدمان استراتيجيته بوصفها "فن خلق القوة"، تلك العدسة المفيدة التي يمكن من خلالها النظر في إحدى الاتجاهات الجغرافية السياسية الرئيسية لهذا العام: عودة روسيا إلى الشرق الأوسط، وبصرف النظر عن علاقات روسيا الوثيقة مع النظام السوري، والتي يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن المنصرم، لم يكن لموسكو أي دور كبير في الشرق الأوسط منذ عام 1972، عندما طرد الرئيس أنور السادات المستشارين السوفييت من مصر.
فلماذا العودة الآن؟ على المستوى العام، من الواضح بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرغب في تحدّي فكرة النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة وتشجيع العودة إلى عالم متعدد الأقطاب، وإن كانت هناك بعض القيود المفروضة على طموحاته الذاتية، وعلى الرغم من أنه قد تدخل في كل من جورجيا وأوكرانيا من قبل فإنه لا يبدو مطلقاً على استعداد لبدء حرب أوسع نطاقاً من خلال مهاجمة أي دولة أوروبية شرقية عضوة في حلف شمال الأطلسي، بيد أن بوتين في الشرق الأوسط وجد المسرح المناسب لتقويض النفوذ الغربي، وإلى خلق قوة لنفسه، وذلك دون التعرض لخطر نشوب حرب مع الغرب.
وكما يعلم أي غوغائي، فإن هنالك طريقة واحدة لخلق قوة من اللاشيء تكمن في إيجاد الانقسام ومن ثم استغلاله، في الشرق الأوسط، فإن الانقسام الأساسي الذي استغلّته روسيا يكمن أولاً في وجود نفور ما بين الغرب والإسلاميين من جهة، وانتهاكات حقوق الإنسان من جهة أخرى، إن الصراع ما بين هذه الأهداف غالباً ما ينتج مواربة في السياسة الخارجية الغربية، كما يفتح حيّزاً سياسياً حيث استطاعت روسيا فيه أن تعمل من خلال استثماره في القمع والديكتاتورية.
إن موسكو تدعم بشكل لا لبس فيه الأنظمة الاستبدادية الحالية في كل من دمشق، القاهرة، وطبرق في ليبيا، والتي تصوّر نفسها كممانعة اشتراكية في وجه انتشار الإسلام المتطرف، وفي مصر يدعم بوتين باستمرار إجراءات عبد الفتاح السيسي ضد الإخوان المسلمين، واستخدامه للأساليب القمعية ضدهم.
ومنذ عام 2013، كثّفت روسيا دعمها العسكري للحكومة المصرية، مستغلة تردد الولايات المتحدة بتوفير المعدات العسكرية التي يمكن استخدامها في القمع السياسي الداخلي، وعلى الرغم من أن مصر لا تزال تعتمد على مستويات أعلى بكثير من الدعم المالي من واشنطن بالمقارنة مع موسكو، فإن هذه الإجراءات تجسد الاستراتيجية الروسية في استغلال أي التماس ما بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة عندما تراوغ واشنطن بين الأمن وحقوق الإنسان.
ويمكننا رؤية الشيء ذاته في ليبيا وسوريا، حيث لم تتعامل روسيا مع الولايات المتحدة بتوافق، ففي سوريا على الرغم من الفظائع اللاإنسانية المرتكبة من قبل النظام السوري والتي جذبت ازدراء غربياً، لم يكن الغرب قادراً على شرح كيفية أن التخلص من نظام بشار الأسد من شأنه أن يحسن من الأمن في البلاد، إذ أنها تخشى أن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات فوضى الإسلاميين، لقد استغل بوتين تلك الفجوة من خلال دعمه العلني للأسد، وترك الغرب يجادلون بشأن "مرحلة انتقالية" بشكل تدريجي وبعيد عن الأسد، بشكل يعزز من نفوذ روسيا وإيران، الدول الوحيدة التي تمتلك النفوذ لبدء مثل هذا التحول.
وعلى الرغم من أن بوتين قد حاول إدراج نفسه في عدة مناطق سياسة أخرى في الشرق الأوسط في هذا العام، لا ينبغي لنا أن نبالغ في نفوذه، ونذكر على سبيل المثال قيمة الحملة الإعلامية التي ترافقت مع قصف سوريا من قاعدة إيرانية في آب/أغسطس المنصرم والتي أثارت غضباً وسخطاً في طهران، في حين تم طرد الروس من تلك القاعدة بعد ثلاثة أيام، وبالمثل فإن محاولة بوتين لإقامة دور في عملية السلام الاسرائيلية-الفلسطينية في هذا العام، والتي تبدو بأنها تهدف في المقام الأول لتحدي الولايات المتحدة كوسيط رئيسي، ليس من المرجح لها أن تسفر عن أي انفراجة.
فهل بوتين يمتاز بعقل استراتيجي أو هو ليس سوى مقامر متهور؟ إن الحقيقة هي أكثر ركاكة، نعم فقد حصدت روسيا مكاسب دبلوماسية في هذا العام، لا سيما في مصر وشرق ليبيا وتركيا، وسوريا، ولكن هذا كان قد أتى بتكلفة خطيرة على المدى الطويل على الاقتصاد الروسي.
وكما يعلم أي غوغائي، فإن الطريقة المثلى للحفاظ على الطاقة المولدة من لا شيء من خلال الانقسامات تأتي بالحفاظ على تأجيج نيران الصراع بشكل دائم، والتي تعتمد عليها تلك الانقسامات، ولكن عندما يقوم الغوغائي بجعل الغرب عدواً دائماً له، فلن يتفاجأ عندما يبدو له بأنه سيكون على الدوام الطرف المتلقّي للعقوبات الاقتصادية والقلق العام من قبل الشركات الغربية للاستثمار.
ومن الممكن أن يعتقد بوتين بأن تصرفاته في الشرق الأوسط ستمنحه النفوذ للمساومة على تلك العقوبات، على الرغم من أن العقوبات الأوكرانية والسورية غير مرتبطة بشكل رسمي، ولكن من الواقع الافتراض بأن تشجيع بوتين لحالة الصراع الدائم مع الغرب سيجعل من تخفيف العقوبات أمراً غير محتملاً على المدى القريب، خصوصاً إذا ما دخلت هيلاري كلينتون المكتب البيضوي في البيت الأبيض، وفي حين أن هنالك احتمال من أن بوتين روسيا المحاصر سيكون في موقف حيث سيضطر فيه إلى توجيه اقتصاده بشكل متزايد نحو الصين، وبعيداً عن الغرب، مما سيمنح بكين نفوذاً كبيراً على موسكو.
من المهم أيضاً أن نلاحظ دور التضليل والخداع في الاستراتيجية الروسية، كوسيلة أخرى لتوليد القوة من لا شيء، ولكن ذلك النوع الازدواجي للسلطة سيدمر بشكل كامل المصداقية على المدى الطويل، خذ على سبيل المثال علاقة روسيا مع المملكة العربية السعودية، على الرغم من كون الطرفين هما على الجانبين النقيضين من الحرب السورية، فقد تمكن بوتين من جلب الرياض إلى المدار الدبلوماسي من خلال التعاون في مجال السياسة النفطية، نظراً لمدى كون الدولتين بحاجة إلى أسعار أعلى بكثير من الميزانيات الحكومية.
وتبدو روسيا راغبة في الحصول على توقيع السعوديين على الاتفاق الذي ليس لدى موسكو أي نية حقيقية في دعمه، ولكن من الصعب أن نرى كيف سيتمكن بوتين لفترة طويلة من الخداع والمواربة ملقياً بأعباء ثقيلة على متنه، وعلى المدى القصير فإن الإعلان الرسمي عن صفقة إنتاج نفط أوبك السعودية وروسيا، والذي من المتوقع أن يحدث في هذا الشهر سيرفع من الأسعار بشكل مؤقت، ولكن على المدى الطويل، وعندما تنهار الصفقة كما سيحدث حقاً، فإن ذلك سيؤدي إلى تآكل مصداقية بوتين مع الرياض وأوبك.
إن قياس نجاح استراتيجية بوتين يتوقف على الإطار الزمني: في عام 2016 روسيا كانت تهيمن على الشرق الأوسط، أما وعلى المدى الطويل فإن الضرر الذي سيصيب الاقتصاد الروسي من قطع علاقاته مع الغرب ستتجاوز قيمة أي تحالف لها مع ديكتاتوريات "شرق ليبيا" وإيران ومصر ونظام الأسد، و حين ستنهار بالفعل أسعار النفط، سيكون الاقتصاد الروسي في أسوأ حالاته على الإطلاق ما إن يتم نزع حصّته النفطية من أسواق رأس المال الغربية وشركات الاستثمار.
ولكن لربما يُفهمُ النجاح الروسي على الصعيد الدولي في الطريقة المنعكسة من التفكير في مكاسب بوتين من استراتيجية الصراع الدائم، قد تكون استراتيجيته في فن خلق القوة، تنصب في اهتمامه الاستراتيجي في السلطة على المستوى المحلي، إذ أن الصراع الدائم خارج حدود بلاده قد يساعده بحشد دعم شعبي في أوساط الروس للحفاظ على بوتين راسخاً في الكرملين، وذلك في الوقت الذي تتعفّن بلاده من حوله.
-إميل سيمبسون الزميل الباحث في جمعيّة هارفارد للزمالة، والضابط السابق في الجيش البريطاني.

رسالة أحدث
التعليقات
0 التعليقات

0 commentaires:

Propellerads
back to top